الشيخ عبد الغني النابلسي
92
كتاب الوجود
وجه ، ووجود من وجه ، فعلم الوجود المطلق بها « 1 » . وكذلك علم العدم المطلق بها غاية ما في وسع الممكن والمطابقة غير قابله أصلا ، فإنه ما هناك إلا صور في عالم كل ممكن في الدنيا والآخرة ، وأما قول من قال : ليست الصورة بلا ذمة في العلم ، فإنه تلزمه الصورة في الحكم ؛ لأن الحكم فرع التصور ، فالصورة لازمة على كل حال ، كما أن الحكم لازم على كل حال ؛ إذ لا بد للممكن من الحكم على واجب الوجود ، أو على مستحيل للوجود ، وهما الوجود المطلق والعدم المطلق . وقال التفتازاني في شرح المقاصد من مبحث الكيفيات : فإن قيل العلم بالمعدومات « 2 » وارد على القول بالصورة ؛ لأن الصورة إنما تكون لذي الصورة لا للعدم المحض ، فأما أن تكون في الخارج فلا يكون معدوما ، والكلام فيه أفي الذهن فيكون في الذهن من المعدم أمر هو الصورة ، وأمر آخر له الصورة ، وهو باطل ، ولم يقل به أحد . . قلنا : ليس في الذهن الأمر واحد هو الصورة ، ومعنى كونها صورة المعدوم أنها بحيث لو أمكن في الخارج تحققها وتحقق ذلك المعدوم لكانت إياه ، ثم إنها من حيث قيامها بالذهن وحصولها فيه علم تتصف به النفس ، ومن حيث ذاتها وماهيتها العقلية ، أعنى
--> ( 1 ) قال ابن حزم في الفصل في الملل والنحل ( 1 / 15 ، 16 ) : كل موجود بالفعل فقد حصره العدد وأحصته طبيعته ، ومعنى الطبيعة وحدها أنها القوة التي في الشيء ، فتجرى بها كيفيات ذلك الشيء على ما هي عليه ، وحصر العدد وإحصاء الطبيعة نهاية صحيحة ؛ إذ ما لا نهاية له فلا إحصاء له ولا حصر ، دليل هذا أن معنى الحصر والإحصاء إنما هم ضم ما بين طرفي المحصى المحصور والعالم موجود بالفعل ، وكل محصور بالعدد محصى بالطبيعة فهو ذو نهاية ؛ سواء في ذلك ما وجد في مدة واحدة ، أو مدد كثيرة . ( 2 ) لا يمكننا الوصول إلى وجود ثان إلا بعد وجود أول ، ولا إلى وجود ثالث إلا بعد وجود ثان وهكذا ، ولو لم يكن لأجزاء العالم أول لم يكن ثان . . . إلخ . ولو كان ذلك كذلك ، فإنه لا يكون ثمة عدد ولا معدود ، وهذا يؤدى إلى القول بوجوب وجود أول ضرورة . هذا بالإضافة إلى أن الآخر والأول من باب المضاف ، فالآخر آخر للأول ، والأول أول للآخر ، ولو لم يكن آخر فاليوم الذي نحن فيه بعد آخر لكل موجود قبله ؛ إذ ما لم يأت بعد لا يعد شيئا ، ولا وقع عليه بعد شيء من الأوصاف ، فله أول ضرورة . [ الفصل في الملل والنحل ( 1 / 18 ) ] .